تابع جديد المدونة عبر:

الشائعات وأسواق المال

يقال إن الشائعة هي أقدم وسيلة لمخاطبة الناس ولا تزال بالقوة نفسها في وقتنا الحاضر, فالشائعات موجودة في كل مكان وفي كل وقت.

 ولقد ظن البعض أن الدخول في عصر المعلومات والإنترنت وأدوات الاتصال الحديثة كلها كفيلة بأن تقضي على الشائعة من جذورها ولكن ما نجده هو العكس, فالمنتجون للشائعات والمروجون لها استطاعوا أن يوظفوا مثل هذه الوسائل والأدوات الحديثة في الترويج لمهنتهم أكثر من غيرهم, فرسائل الجوّال ومواقع الإنترنت استطاعت اليوم أن تعولم صناعة الشائعة وأن تخرج بها من إطارها المحلي إلى إطارها العالمي.

وعلى الرغم من أهمية الشائعات وما تلعبه من دور خطير في تحديد الكثير من مسارات حياتنا إلا أنها لم تنل نصيبها العادل من الدراسة العلمية والمتخصصة والمتعمقة لها, فالبعض يعزو ذلك إلى الطبيعة المعقدة لصناعة الشائعة وصعوبة جمع المعلومات عنها وبالأخص ما يتداول منها في الأسواق المالية.


 فالشائعة تعرف في كتب اللغة على أنها مقولة أو رأي أو إعلان عن حدث قادم وتنتشر هذه المقولة أو الإعلان بسرعة من دون معرفة الحقيقة أو المصدر الذي نشرها. فكل التعريفات تصنف الشائعة بأنها من المعلومات, ولكنها على خلاف المعلومات العادية التي نتأكد من صحتها في وقت سماعها نفسه, فالشائعة معلومة ولكن في حاجة إلى وقت للتأكد من صحتها أو خطئها.

وبما أن الأسواق المالية وتداول الأسهم صناعة يحركها في الأساس ما هو متاح من معلومات, فإن المشتغلين في هذه الأسواق تدفعهم الرغبة في الحصول على المعلومات أسبق من غيرهم إلى أن يكونوا أكثر استعدادا ليس فقط للأخذ بالشائعات وتصديقها, بل البحث عنها وربما المشاركة في إنتاجها.

نحن نعرف أن هناك عدة نظريات أو مدارس تحاول أن تفهم أو تفسر ما يحدث في الأسواق المالية, فهناك المدرسة التي ترى أن الأسعار تعكس ما هو معروف عن الواقع الحقيقي للشركة أو عموم الحالة الاقتصادية, وهناك مدرسة السلوكية التي ترى أن السوق تتحرك بفعل ما ينعكس عليها من سلوكيات المتعاملين فيها, فكلما استطعنا أن نصل إلى قناعات هؤلاء المتعاملين وبالتالي نعدل من سلوكياتهم فإن ذلك سيؤثر في حركة السوق واتجاهها, والشائعات خير وسيلة للتلاعب بقناعات هؤلاء المتعاملين, وبالتالي فهي لها دور كبير ومؤثر في عمل الأسواق المالية .

وبما أن الشائعة تدخل في صناعتها عوامل سيكولوجية لأنه يراد بها أن تحدث حالة من الخوف أو القلق والفزع أو الرغبة الشديدة فإن الإنسان في مثل هذه الحالات لا يتخذ قراراته بشكل منطقي ومدروس, وهذا يفسر لنا دور الشائعات فيما يحدث من تقلبات حادة في الأسواق المالية.


أما الجانب القانوني بخصوص الشائعات فإن الأمر لا يخلو من ضبابية أو عدم وضوح, فالشائعة لم تقدم على أنها معلومة صحيحة وموثوقة المصادر, وبالتالي الأخذ بها قرار شخصي ومن يأخذ بها هو من يتحمل عواقب قراره, ولكن ربما يكون من دفع بالشائعة أشخاصا لهم علاقة بموضوعها وأنهم يرجون المنفعة من نشرها, وهنا يختلف الأمر وتدخل في القضية موضوعات مثل الخداع والتغرير والانتفاع غير المشروع, وفي هذا يعد مخالفة واضحة للقانون.

ومعظم الشائعات في الأسواق المالية هو من هذا النوع, فمن وراء الشائعات في الأسواق المالية أناس يريدون أن ينتفعوا من تصديق الناس هذه الشائعات والعمل على أساسها, فالشائعات سوق سوداء للمعلومات وفي كل سوق سوداء هناك أرباح طائلة يجنيها من يجيدون الحركة في هذه السوق.

أما كيف لنا أن نتصدى للشائعات فهذه مهمة تتطلب أكثر من إغلاق المواقع الإنترنتية للتوصيات, فالشفافية في تبادل المعلومات والسرعة في التعامل مع الشائعات حين صدورها والحسم في تطبيق الأنظمة فيما يخص الإعلان عن المعلومات وتوثيق مصادرها هي بعض من أمور كثيرة تعزز من ثقة المستثمرين بالسوق وبالأجهزة التي تدير نشاطاتها وتقلل من حرصه على البحث عن الشائعات التي تقدم له إما على شكل توصيات وإما تسرب له بشكل خفي. فالمستثمر الذي يجد نفسه وهو لا يملك المعلومات الكافية لتحديد خطواته أو قراراته الاستثمارية فمن الطبيعي أن يلجأ إلى سد هذا النقص في المعلومات بالبحث أو القبول بالشائعات.

وعندما يكون هناك طلب فبالتأكيد سيكون هناك عرض مواز له وهذا ما يحرك من عجلة الشائعات, فالشائعات سوق سوداء للمعلومات ولا يمكن محاصرة هذه السوق إلا بالمزيد من الشفافية والمزيد والمزيد من التنظيم وقوة النظام.


المصدر:- الالكترونية الاقتصادية

0 التعليقات :

إرسال تعليق