تابع جديد المدونة عبر:

تقرير ... قواعد الحوكمة في الكويت لا تمت إلى واقع الحال بصلة

تم نشره 10 فبراير 2013

 ينطبق على قواعد الحوكمة المصرفية الجديدة قول «العين بصيرة واليد قصيرة». فالموعد المضروب للتطبيق الكامل هو أول يوليو المقبل، لكن أول المعطيات يشير إلى تأخير على هذا الصعيد، لأن بعض المطلوب عبارة عن نظريات لا تمت لواقع الحال بصلة. وهذا من نتاج من يجلس في برج عاجي منقطعاً عن السوق الحقيقي، ومستنداً إلى «ورق» لا يغني ولا يسمن من جوع تأتي رياح التطبيق لتنثره هباءً كما حصل مع قانون هيئة أسواق المال الذي ادعى واضعوه انه نقلة نوعية طال انتظارها، فإذا به مليء بالأخطاء والنظريات غير القابلة للتطبيق، فضلاً عن انه يضع العصي في الدواليب في كثير من الحالات.. ما حدا بمفوضية الأسواق إلى القول إن ثمة تعديلات لا بد منها، وتشير المعطيات الأولية إلى أن البنك المركزي سيصل إلى القناعة نفسها.

وتؤكد مصادر متابعة ان تطبيق قواعد الحوكمة المصرفية لن يكون كاملاً في يوليو المقبل، ومن سيدعي ذلك يكون قد رتب أوضاعاً بشكل صوري. لذا قد نشهد ظهور مطالبات بإعادة فتح حوار مع البنك المركزي حول بعض النقاط الصعبة التطبيق الآن وهي بحاجة لوقت إضافي.

وقال مصدر مراقب: ليس سهلاً تغيير ثقافة سادت في مدى عقود وعقود لمجرد إصدار مجموعة أوراق منسوخة من كتيبات نظرية. إلى ذلك، فإن تلك القواعد يحتاج تطبيقها إلى مئات المحترفين وأصحاب الكفاءات والمهارات والأشخاص المحايدين والمستقلين، وهذا تحديداً ما يعاني منه السوق المحلي، إذ هناك نقص حاد في هذا المجال، والأمثلة على ذلك تكاد لا تعد ولا تحصى في جميع القطاعات، لا سيما في القطاع المصرفي الأكثر تعقيداً وذي الحساسية العالية.

وقالت مصادر معنية: بالإضافة إلى انشغالها في هذه الفترة من العام بإعلان النتائج المالية السنوية، تشهد بنوك الكويت ورشة عمل غير مسبوقة لتطبيق تعليمات الحوكمة الجديدة. فبنك الكويت المركزي حدد أول يوليو من 2013 موعد التنفيذ النهائي لقواعد الحوكمة المصرفية الجديدة التي حلت مكان ما صدر في هذا الصدد بتاريخ مايو 2004.

وتشير مصادر مصرفية رفيعة إلى أهمية هذه التعليمات. وتكشف أن المصارف المحلية بدأت بالفعل منذ أكتوبر 2012 بالعمل جديا على تطبيق نقاط بارزة في هذه القواعد الصارمة. غير أن هذه المصادر تلفت إلى جملة تحديات قد تعيق مسار التطبيق، معتبرة أن الوقت المتبقي، أي أقل من 5 أشهر، قصير جدا. وتحذر الأوساط المصرفية من «التعجيل» في تطبيق قواعد «ثورية» لمجرد التطبيق، بحيث يصبح الوضع شبيها بما حصل مع إطلاق هيئة أسواق المال، التي ما زالت «تعرج» حتى الساعة، مع اعتراف رئيس مجلس مفوضيها بأن القانون رقم 7 لعام 2010 يحتاج إلى جملة تعديلات!

ويشرح أحد المصرفيين وجهة النظر هذه بالقول: «الجميع مع تطبيق قواعد للحوكمة، لكن تذكروا أننا في الكويت ولسنا في السويد. فحتى في الدول الغربية المتقدمة، ما زالت السلطات تتحدث اليوم عن كيفية تطبيق حوكمة الشركات. مطلوب هنا التطبيق التدريجي والمرن لقواعد البنك المركزي، لئلا نصطدم جميعا بحائط مسدود أو نصل إلى فوضى منظمة».

وتعدد الأوساط المصرفية جملة تحديات وصعوبات تواجهها البنوك على هذا الصعيد:

1 - دور مسؤول لرئيس مجلس الإدارة

في التعليمات الجديدة، يتحمل مجلس الإدارة المسؤولية الشاملة عن البنك، بما في ذلك وضع الأهداف الاستراتيجية، وكيفية تطبيق هذه الأهداف والإشراف على الإدارة التنفيذية. وفي هذا الإطار، تعتبر المصادر المصرفية أن صورة مجلس الإدارة السائدة في الكويت ستنقلب رأسا على عقب. فرئيس مجلس الإدارة سيصبح مسؤولا مباشرا هو وأعضاء المجلس عن عمليات البنك كافة وسلامته المالية والحفاظ على مصالح المساهمين والمودعين والدائنين والموظفين والجهات الأخرى من أصحاب المصالح. «فمن غير المقبول بعد اليوم، أن يزور رئيس مجلس الإدارة البنك مكتفيا بارتشاف القهوة وقراءة الصحف ومتابعة الأمور العامة (...)، بل بات مطلوبا منه التدخل بكل شاردة وواردة والعمل عن كثب مع الإدارة التنفيذية»، وفق تعبير أحد المصرفيين المخضرمين. ويقول آخر: «التعليمات الجديدة تفرض متابعة رئيس المجلس لأعمال اللجان بشكل مستمر، للتحقق من تنفيذها الأعمال الموكلة إليها، والحصول على تقرير متابعة بشكل ربع سنوي على الأقل، كما هناك إجراءات لتمكين الموظفين من الاتصال المباشر برئيس مجلس الإدارة». بمعنى آخر، بات لزاما على رئيس المجلس التفرغ لإدارة البنك ومتابعة أعماله يوميا بشكل محترف، لا الاكتفاء بمنصب «صوري» فقط.


2 - زيادة الأعضاء.. والروتين الإداري

طلبت مصارف محلية عدة من البنك المركزي زيادة عدد أعضاء مجالس الإدارات حتى تستطيع تطبيق قواعد الحوكمة. وقد نالت معظم هذه البنوك الموافقة، منتظرة موافقة هيئة أسواق المال ووزارة التجارة والصناعة لعقد جمعية عمومية غير عادية وتعديل النظام الأساسي للبنك، بحيث لا يقل عدد أعضاء مجلس الإدارة عن 10 أشخاص، من بينهم مستقلون لا يمثلون كبار الملاك. وينتقد أحد المصرفيين بطء الإجراءات الحكومية في هذا الشأن، خصوصا أن وقت تنفيذ قواعد الحوكمة يضيق، ومن المفروض الإسراع في منح الموافقات الرسمية المطلوبة على هذا الصعيد. فكيف يطلبون سرعة التطبيق وهم في بيروقراطية قاتلة وروتين ممل؟

 3 - قلة الخبرات.. والتدريب المطلوب

يتعين على مجلس إدارة كل بنك تشكيل 4 لجان منبثقة عنه، بهدف تعزيز فاعلية الرقابة. وهذه اللجان الأربع الرئيسية هي: لجنة الترشيحات، لجنة المخاطر، لجنة التدقيق، ولجنة المكافآت. ولا يجوز لرئيس مجلس الإدارة أن يكون عضواً في أي من هذه اللجان. وتشير مصادر مصرفية إلى قلة الخبرات الموجودة في هذه القطاعات الأربعة لدى الكثير من أعضاء مجالس ادارات البنوك. لذا تلجأ مصارف إلى تدريب الأعضاء الحاليين وتعزيز مهاراتهم، خصوصا في التدقيق وإدارة المخاطر عبر وسائل تعليمية وتثقيفية مختلفة.

وتتطلب معايير الحوكمة، التي وضعها «المركزي»، من أعضاء مجلس الإدارة تعميق معرفتهم ومهاراتهم من خلال الحصول على برامج تدريبية متخصصة، بالإضافة الى المشاركة في المؤتمرات والحلقات النقاشية في مجال العمل المصرفي والمالي. وتلفت المصادر هنا إلى صعوبة تدريب أعضاء مجالس إدارات بلغوا من العمر عتيا، وهم يمثلون كبار ملاك منذ سنوات طويلة.

4 - مؤهلات صعبة.. واستقلالية نادرة

ترسم قواعد الحوكمة الجديدة مؤهلات محددة لأعضاء مجلس الإدارة تتعلق بقطاعات التمويل والمحاسبة والقانون والإدارة والتدقيق والتقييم والاقراض والعمليات المصرفية وأنظمة الدفع والتخطيط الاستراتيجي والحوكمة وإدارة المخاطر والرقابة الداخلية. وتفيد مصادر مصرفية بأن هذه المؤهلات المتخصصة قليلة بين المواطنين، خصوصا أنها مطلوبة بالإضافة إلى خبرات طويلة في ممارسة هذه المهن. ويبدو من الصعوبة بمكان إيجاد ممثلين لكبار ملاك البنوك بهذه المؤهلات. ناهيك عن صعوبة تعيين أعضاء محترفين مستقلين في مجلس الإدارة واللجان المنبثقة عنه. فالمحترفون المستقلون نادرون في البلاد، خصوصا المتفرغين منهم والقادرين على المشاركة في إدارة بنك.بحسب القبس

5 - معضلة تغيير الثقافة

تعتبر قواعد الحوكمة خطوة إلى الأمام، لكنها تتطلب تغييرا جذريا لثقافة سادت إدارات البنوك على مدار سنوات مضت. فالتعليمات الجديدة تفرض ترسيخ مبدأ التزام كل عضو من أعضاء المجلس بتأدية دوره تجاه البنك وجميع مساهميه، وليس تجاه مساهم معين. كما تتطلب ضمان مراجعة المعاملات التي تتم مع الأطراف ذات العلاقة والتحقق من سلامة هذه العمليات. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي تعيين عدد كاف من أعضاء مجلس الإدارة غير التنفيذيين في اللجان المعنية بمهام قد ينتج عنها حالات تعارض في المصالح، وكذلك ضرورة ربط المكافآت بالحصافة في اتخاذ المخاطر وبمداها الزمني. كما تعزز قواعد الحوكمة الشفافية في بيانات البنوك وتقاريرها الفصلية والسنوية.. هذه المفاهيم وغيرها تحتاج إلى وقت حتى تتغير، وإلى تدريج في التطبيق. فمتى تغيرت ثقافة التعاطي مع هذه المسائل، تصبح الحوكمة أسهل.

 

حوار مطلوب

يلفت المصرفيون إلى ضرورة فتح باب الحوار على مصراعيه مع البنك المركزي، لئلا يقع المحظور، فيحل موعد تطبيق التعليمات، وتواجه البنوك جملة مخالفات، لا ناقة فيها ولا جمل على تحملها. «الحوار والتفاهم والتفاعل بين قيادة البنك المركزي والبنوك المحلية تؤدي إلى احترام تطبيق سليم ومتدرج لقواعد الحوكمة»، على حد تعبير أحد المصرفيين. ويضيف: «كما اعتادت المصارف طوال العقود الماضية على نظام عمل وثقافة إدارة محددين، يجب منحها الوقت الكافي لتغيير السائد، واتباع أسس جديدة للحوكمة والشفافية.. فموعد أول يوليو المقبل قريب جدا، والتعليمات طويلة وصعبة، فالبنوك تحتاج إلى وقت أطول حتى تستوعبها من دون عسر هضم».



المصدر: مباشر

0 التعليقات :

إرسال تعليق