تابع جديد المدونة عبر:

لماذا لم ينهض سوق الخليج بعد ؟

الأمر برمته متعلق بشنغهاي ومومباي ودبي: كانت تلك هي اللازمة المتكررة في أوج طفرة الأسواق الناشئة عام 2007. ولكن بالرغم من أن الصين والهند لا تزالان في رواج، نجد أن المستثمرين يودعون دبي. ويمثل تراجع دبي واحدا من أعراض تلاشي حظوظ الشرق الأوسط. ومن ذلك أن أسواق الأسهم في دول الخليج ــ التي تشمل البحرين والكويت وعمان وقطر و المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ــ متراجعة بشكل حاد وراء نظيراتها في الأسواق الناشئة. فبعد أن هوت بنسبة وصلت إلى 55 بالمائة، ارتفعت العام الماضي بنسبة متواضعة بلغت 18 بالمائة، مقارنة بمعدل 80 بالمائة في بقية الأسواق الناشئة. وعلى الرغم من أنه لم تظهر فقاعة الإقراض التي أدت إلى أزمة ديون دبي أواخر 2009 في دول الخليج الأخرى، فإن الانهيار الإقراضي في هذه الإمارة أبرز مشكلات مشتركة في المنطقة كلها: ضعف الشفافية والقوانين التنظيمية وغموض بنى الملكية.
كانت الحقيقة البديهية للأيام المظلمة القديمة زمن الاستثمار في الأسواق الناشئة في تسعينات القرن الماضي هي "ما تراه ليس هو ما ستحصل عليه"، وينطبق ذلك من نواح كثيرة على حال الشرق الأوسط هذه الأيام، حيث نجد أن ميزانيات الكثير من الشركات قديمة ولا يكشف عن الأرقام المالية إلا بعد فترة أطول بكثير من المدة المعيارية التي يجب فيها الإعلان عنها، فيما التدقيق على التداول الداخلي لا يحصل إلا في أحوال نادرة.
وهناك أيضا فرق كبير بين أداء الأسواق المالية والاقتصاد. فخلال السنوات الخمس الماضية، نما الناتج المحلي الإجمالي الخليجي بمعدل 5 بالمائة، وهو معدل مماثل لنظيره في الاقتصادات النامية الأخرى. ومع ذلك تراجعت أسواق الأسهم الخليجية بمعدل 20 بالمائة، فيما حققت في اقتصادات التيار الرئيسي الناشئة مكاسب بلغت 80 بالمائة بالمعدل. وتكمن المشكلة في أن عددا كبيرا جدا من الشركات الخليجية مملوكة بشكل خاص لعائلات من التجار الأثرياء أو من قبل الدولة. وأسواق الأسهم الخليجية ليس مدرجا فيها إلا القليل من الشركات ذات النوعية المتفوقة بحيث انتهى الأمر بها مفتقرة إلى الاتساع الكافي للحاق بالنمو الاقتصادي.
وتعكس هذه الأسواق الضيقة مشكلة كبرى، وهي افتقار الخليج لرأس المال البشري والتكنولوجيا الناشئة وطنيا والمطلوبة لخلق قاعدة تصنيع متنوعة بشكل حقيقي. وقد أدى نجاح دبي الظاهر في بناء صناعة خدمات مبهرة (بما فيها البنوك والسياحة) إلى إلهام دول أخرى مثل قطر لتسير على الدرب نفسه. لكن إمكانات قطاعي التمويل والسياحة في الصحراء تظل محدودة، كما ثبت من انهيار دبي.
والطريقة الوحيدة لتنويع اقتصاد الخليج النفطي على المدى البعيد هي بناء قوة عاملة ذات تعليم وتدريب أفضل. ويدرك صناع السياسات في السعودية، أكبر اقتصادات المنطقة، هذا الأمر وقد بدأوا يخصصون مبالغ طائلة لتحسين التعليم على المستوى الابتدائي والثانوي والجامعي.
لكن الإجراءات المتخذة لتحسين نوعية القوة العاملة تستغرق وقتا طويلا لتطرح ثمارها، ولذا فإن قادة السعودية يقومون في هذه الأثناء بالإنفاق بكثافة (وذكاء) على تحديث شبكات المواصلات وبناء محطات طاقة جديدة. وبتوفر احتياطيات مالية تبلغ مجتمعة 1.5 تريليون دولار متحققة من صادرات النفط والغاز الهائلة، فإن الشرق الأوسط، بما فيه السعودية، يمتلك من الثروة ما يمكنه من الإبقاء على هذه المشاريع الكبيرة قائمة. ومن شأن ذلك أن يبقي على النمو مستمرا بمعدل يتراوح بين 4 و5 بالمائة على مدى السنتين المقبلتين.
ولترجمة هذا النمو إلى عوائد تجنيها الأسواق المالية، ينبغي على السلطات أن تدفع باتجاه إصلاحات رئيسية تبدأ بالنظام المالي. ومن ذلك أن الصناديق السيادية التي تسيطر على مئات المليارات من الدولارات ميالة إلى استثمار جزء بسيط من هذه الأموال في مشاريع داخل الوطن. ومن شأن تطوير الأنظمة التي تحكم الأسواق المالية وعملية الإشراف على هذه الأسواق أن تشجع على بقاء المزيد من هذه الأموال في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، فإن إقامة نظام جديد أكثر ودية مع المستثمرين الدوليين قد يجعل الاقتصادات المحلية أكثر فعالية، ذلك أن ارتفاع سوية معايير ضبط الإفصاح والشفافية قد يؤدي إلى انخفاض كلفة تمويل الشركات المحلية. ومنذ أن وقع الخلاف حول قرار شركة "دبي العالمية" في نوفمبر من عام 2009 بتأخير أقساط الديون المترتبة عليها والشركات الخليجية عاجزة عن الاستفادة من أسواق رأس المال الدولية، مما رفع كلفة الاقتراض لديها.
والشيء المؤكد أن الأسواق الخليجية قطعت شوطا طويلا في العقد الماضي، حيث ارتفعت رسملة الأسواق الإقليمية بنسبة 700 بالمائة ونما حجم التداول بأكثر من 10 أضعاف. لكن دبي كانت العام الماضي الأكثر شهرة بسبب إخفاقات القروض، مما أوقع الأذى بشركات سعودية وكويتية. ولذا قد يمر وقت ليس بالقصير قبل أن يذكر اسم دبي أو أي سوق خليجي في السياق نفسه الذي يذكر فيه اسم شنغهاي. 



كتبها: روشير شارما - رئيس قسم الأسواق الناشئة في شركة "مورغان ستانلي إنفستمنت مانجمنت" ، في Tue, 23/03/2010 - 14

0 التعليقات :

إرسال تعليق