تابع جديد المدونة عبر:

الانفجار الكبير

 
ذاهبون لا محالة إلى أزمة تتجاوز اقتصادات العالم إلى البشر .

صراع الخيارات الباردة على صفيح الدين الساخن في الولايات المتحدة الذي رأيناه في الكونغرس، كان كافياً للتيقن بأمر ما، يتجاوز ديون البلد الأقوى في العالم إلى ما هو “الأسوأ الذي لم يأت بعد”، الذي تناولناه في مقالات أخيرة . لم يعد العالم يعتّد كثيراً بخفض كان محتوماً للدين السيادي الامريكي إلى + ءء من العلامة الذهبية ءءء التي احتفظت بها الولايات المتحدة منذ 1917 .

يكفي ستاندرد أند بورز أن تلتقط متأخرة معنى أن يماطل الكونغرس حتى الساعات الأخيرة ليفرج عن تشريع هشّ، يسمح بزيادة سقف الدين ليبدأ بتخطي حجم الناتج .

ويبقى النمو الاقتصادي الذي يكبو ببطء وتثاقل هو الفيصل في القضية برمتها . وجاري العادة، أن تثبيت التصنيف رسمياً يحتاج إلى تصنيف مماثل من وكالتين حدا أدنى من وكالات التصنيف الثلاث الاشهر .

وهي إلى ستاندرد أند بورز موديز وفيتش . والأخريان تبدوان في الطريق بعد ان عدلت موديز توقعاتها من مستقر إلى سلبي . وعلى الضفة الأخرى القريبة من الأطلسي، تقبع أوروبا عموما ومنطقة اليورو في أتون الخوف والقلق . الضفتان الغربية والشرقية للاطلسي تختزنان 70 في المئة من قيمة الاقتصاد العالمي .

بمعيار تراجع العملتين الدولار الأمريكي واليورو، تهديد قيمة كل احتياطات الدول من العملات، بما في ذلك “قرش الارملة” في البلدان الفقيرة والنامية، وفواتير استيراد الغذاء والدواء، وتريليونات الأسهم المحمولة من مستثمرين ودول في علامات صناعية وتجارية وتكنولوجية من الرقائق الزرق . ومثل ذلك من الاصول والاستثمارات المباشرة في “جنات استثمارية لا يطالها غدر الزمان” . وقد حرمت منها اوطان وشعوب في حاجة إليها .
أوروبا هي الأخرى مثخنة بجراح الديون . 

المنطقة الأهم التي حملت اسم اليورو تحاول عبثا الفكاك من براثن الدين . بعد اليونان وايرلندا كانت البرتغال في الطريق، الاقتصاد الاصغر في منطقة اليورو . وكانت اسبانيا الاقتصاد الرابع في المنطقة، المترعة ببطالة تجاوزت ال20 في المئة، ارسلت اشارات عسر مشابهة .

الكل تحاشى الحديث عن واقع الدين في ايطاليا، وهو 120 في المئة إلى الناتج .

الاقتصاد الثالث في منطقة اليورو، الذي يزيد مرتين على حجم اقتصادات اليونان وايرلندا والبرتغال مجتمعة، يحتاج نحو تريليون و200 مليون دولار امريكي للتوازن في ماليته خلال السنوات الثلاث المقبلة . أي خطة لدعم ايطاليا واسبانيا من ضمن صندوق الدعم الأوروبي ستتجاوز الاعتمادات المرصودة للصندوق بأضعاف . 

في غياب الموافقة على السند الاوروبي الموحد، والمعارضة الشديدة لهذا المشروع من المانيا وفرنسا، لا يبقى سوى المصرف المركزي الأوروبي جهة قادرة على شراء سندات الدول المعسرة . وهذا الاخير توقف منذ اشهر عن القيام بهذه المهمة .

بعد خفض تصنيفات اسبانيا وايطاليا وتحول التوقعات الاقتصادية تجاههما من مستقر الى سالبة، سيكون على الدولتين دفع فوائد أعلى على ديونهما حتى في حال وجود الدائنين، وقد تصل إلى 7 في المئة . نحن الآن امام السيناريو الذي ينتقل بالبلدان الأوروبية المدينة من الحلقة الفاضلة إلى الحلقة المفرغة والمفزعة اذا جاز التعبير: -

أولا عسر في سداد الديون على مستواها الحالي .

ثانيا تسارع نمو الدين ومعدلات الفوائد عليه بأسرع من النمو الاقتصادي .

عجز صندوق الانقاذ الاوروبي عن تأمين حجم الدعم المطلوب .

هذا كله في الحلقة المفرغة والمفزعة .

اما الحلقة الفاضلة فالخطوة الاولى نحوها والتي لا تزال بعيدة تتمثل في تحقيق موازنات الدول المدينة فائضاً في حسابها الاولي . اي تحقيق وفر بين النفقات والايرادات خارج استحقاقات الفوائد على الدين القديم .

الغريب ان قمة اليورو التي عقدت الشهر الماضي، أرجأت البدء في تطبيق صندوق الانقاذ بآليته الجديدة حتى 2013 .

وكانت على بينة من واقع الدين في ايطاليا واسبانيا، مضافا اليهما بلجيكا وقبرص .

ومع ذلك تجاهلت القمة ذلك وكأن الامر متروك للقدر . ومن غير الواضح حتى الآن كيفية ترجمة قرار القمة بتحميل القطاع الخاص، اي المصارف الدائنة عمليا، نحو 400 مليون دولار أمريكي . والمصارف لم تخرج بعد من أزمة 2008 .
يهرع المستثمرون إلى الذهب الذي لا سقف له .

وقد وصفه امبراطور اليابان الاسبق هيرو هيتو بأنه من مخلفات البرابرة .وتخلص منه وحول عائداته إلى الاقتصاد الحقيقي لتغدو اليابان بعد عقود ثلاثة من انتهاء الحرب العالمية الثانية من أكبر الدول الصناعية في العالم، قبل ان تعود قسراً إلى اقتصاد الروليت الامريكي، ويتراجع نموها الى أعشار الواحد في المئة، وتتحول إلى الدولة المدينة الأولى في العالم بواقع اكثر من 200 في المئة إلى ناتجها .

ومع ذلك فهي دائنة للحكومة الامريكية بنحو 900 مليار دولار امريكي! فقاعة المعدن الاصفر آتية لا ريب . لأن احدا لن يأكل الذهب ليسد فجوة غذائية تتسع بقوة وبأسعار مرتفعة . بيد أن فقاعة “الانفجار الكبير” لم تنفجر بعد .

الرأسمالية الممولة من فقراء الارض توقد هذا الانفجار المرتقب . اللافت صمت مجموعة العشرين، وفيها الصين والدول الدائنة للولايات المتحدة وأوروبا . وقيل يوما: لا تبك خاسرا، إبك اللاهث لاستعادة خسارته .

بقلم - عصام الجردي
* نقلاً عن صحيفة الخليج .

0 التعليقات :

إرسال تعليق