تابع جديد المدونة عبر:

متى يقول الدولار: أنا فهمتكم ؟



الكاتب :- صلاح صبح



السؤال الآن هو متى يفعلها الدولار ويتنحى طوعاً أو قسراً عن عرش الاقتصاد العالمي كعملة الاحتياط الرئيسة؟
لم يعد السؤال هل يفعلها أم لا.. بل متى سيفعلها الدولار؟ فالمتغيرات والأوضاع الاقتصادية العالمية بعد الأزمة التي انطلقت من الولايات المتحدة في صيف 2008 ودفع ثمنها أغلب اقتصادات العالم، ومازالت، ترجح ذلك بقوة.
وما خفض مؤسسة «ستاندرد آند بورز» للتصنيف الائتماني السيادي للولايات المتحدة بدرجة واحدة إلى «AA» إلا مؤشر جديد على ضرورة تغيير النظام النقدي العالمي برمته، وليس كما يتصور البعض من أنه سيؤدي فقط لإضعاف الدولار نسبياً مقابل عملات أخرى كاليورو الأوروبي أو اليوان الصيني.


وإذا استلهمنا الشعارات التي يطلقها المتظاهرون في ثورات «الربيع العربي» فإن الأمر يحتم حالياً ضرورة إسقاط النظام النقدي العالمي، وليس مجرد إصلاحه بتغيير الدولار بعملة أخرى، إذ إن البدائل ليست أفضل حالاً، فاليورو يئن تحت وطأة الديون الأوروبية التي تتفاقم يوماً تلو آخر، بل إن الأوضاع الاقتصادية في دول الاتحاد الأوروبي أسوأ كثيراً مما هو عليه في الولايات المتحدة، وبعض هذه الدول قد تكون عرضة لإشهار إفلاسها قريباً، وفيما يخص اليوان ورغم معدلات النمو الهائلة التي دفعت العملاق الصيني لإزاحة اليابان من طريقه محتلاً المركز الثاني كأكبر اقتصاد في العالم بعد أمريكا، إلا أن المخاطر السياسية تعوق مسيرة العملة الصينية نحو إزاحة الدولار الأمريكي عن عرشه.
كالحكام العرب الذين خلعتهم شعوبهم مؤخراً، تعامل القائمون على أمر الاقتصاد الأمريكي بغطرسة وتعالٍ مع إشارات احتجاجية كثيرة أُطلقت قبل وأثناء وبعد الأزمة المالية العالمية في نسختها الأخيرة (2008)، ولم تلتفت الولايات المتحدة ولا إدارتها إلى المطالب التي تنادي بتخفيض الإنفاق العام، وخفض العجز المتزايد في الميزانية حتى تراكمت الديون عليها مقتربة من حاجز 15 ألف مليار دولار، وبدلاً من ذلك نجحت الإدارة الأمريكية في تصدير أزمتها -التي بدأت بانهيار «بنك ليمان براذرز» ولم تنتهي بعد- إلى أغلب دول العالم، لدرجة أن بعض الاقتصادات دفعت ثمناً أعلى كلفة وأكثر فداحة مما دفعه الاقتصاد الأمريكي نفسه، وكل ذلك ليس إلا بسبب ارتباط أغلب العملات العالمية بالدولار، الذي توسعت الإدارة الأمريكية في طباعته لدرجة حولته إلى مجرد أوراق يتلقفها العالم من دون أن يكون لها غطاء اقتصادي قوي يحمي قيمتها التي تأثرت كثيراً بالأوضاع التي تتردي يوماً بعد آخر في أقوى اقتصاد في العالم حتى الآن على الأقل.
اعتمدت غطرسة الدولار الأمريكي على عدم وجود بديل مناسب أو منافس قوي في الوقت الراهن، تماماً كما كان يروج بعض الحكام العرب المخلوعين، ولكن التطورات الأخيرة تشير بقوة إلى أن الأوضاع على وشك الخروج عن السيطرة وأن إسقاط نظام النقد العالمي الجاري أصبح وشيكاً ليس فقط لأنه لم يعد عادلاً بما يكفي، ويمنح العملة الأمريكية أكثر مما تستحقه، ولكن لأنه لم يعد يلبي احتياجات الاقتصاد العالمي في عملة احتياط آمنة، وغير قابلة للانهيار.
ليس معنى عدم وجود بديل للدولار أن يبقى الحال كما هو عليه، وخصوصاً أن الاقتصاد الأمريكي لم يعد بالقوة نفسها التي كان عليها قبل 2008، كما أنه لم يعد يستحق الثقة التي وضعها العالم فيه، بل أصبحت أي أزمة صغيرة في أي مؤسسة مالية أمريكية تهدد أصغر عامل بناء في دبي أو أصغر فلاح في أرياف مصر في رزقه وقوت عياله.
لا أدعي أن لدي تصوراً كاملاً لنظام نقدي عالمي جديد بديل للنظام الحالي الذي تتسيده العملة الأمريكية. الخبراء مدعوون للتفكير ومناقشة الأمر. ولكني على ثقة في أن الدولار سيقتبس يوماً كلمة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي ويقول: «أنا فهمتكم».


نقلا عن الرؤية الاقتصادية

0 التعليقات :

إرسال تعليق