تابع جديد المدونة عبر:

كيف بنت الأوراق النقدية والديون الحلم الأمريكي ؟

في 1951 قال الروائي الأمريكي ويليام فوكنر «إن الماضي لا يموت». وبعد ستة عقود، يبدو أن كريستوفر والين استعار هذه المقولة، ضمناً، في كتابه «التضخم: كيف بنت الأوراق النقدية والديون الحلم الأمريكي؟».

وبحماسة شديدة، عاد والين، الاستشاري والمصرفي السابق، إلى الماضي محاولاً فهم قابلية الاقتصاد الأمريكي للحياة على المدى الطويل في أعقاب الأزمة المالية التي اندلعت في 2008.

ويرى المؤلف الصراع في قلب مواقف الأمريكيين تجاه المال والديون، ويميل إلى رؤية بني وطنه على أنهم «شعب حذر ومقتصد بطبعه»، إلا أن «الاختيارات التي يتخذونها في صندوق الاقتراع تبدو مختلفة مع هذه الرؤية الذاتية».

ويقول «إننا كأمة، يبدو أننا نشعر أن لنا الحق في أجندة وطنية ومستوى معيشة تتجاوز دخلنا الحالي».

ويضيف من أجل تمويل هذه التوقعات، واصلنا الاقتراض بشكل مكثف من المستقبل باضطراب شديد ونتائج كارثية، ولننظر إلى الرهون العقارية، وقروض الإسكان وأرصدة بطاقات الائتمان والدين الفيدرالي والعجز التجاري، وغير ذلك الكثير.

ومن خلال نقطة البداية هذه، يبدأ والين التعقب بسرعة كبيرة في لحظات محددة في التاريخ الاقتصادي والسياسي للولايات المتحدة، حيث الجدل الذي استمر طويلاً بشأن «البنك الوطني» في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وإصدار أوراق نقدية لتمويل جهود الاتحاد أثناء الحرب الأهلية، والذعر المالي في 1893 والكساد الناتج إلى جانب السندات الحكومية التي تم إصدارها من أجل تمويل الحربين العالميتين والتضخم الانكماشي، وتغير النظام العالمي الذي بدأ في حقبة السبعينات.

وفي هذه الأمثلة كلها، يتحسر والين بسبب اعتماد الأمريكيين على الأوراق النقدية والتمويل بالديون، واصفاً هذا الاعتماد بأنه كثيراً ما شجع زيادة نفوذ وثروة الزعماء السياسيين والاقتصاديين والماليين.

ويتسم الكتاب بالتحدي والقوة في فصوله كافة، وفي النصف الأول، حيث يمتد، تقريباً، إلى الحرب العالمية الأولى، يذكر المؤلف الجدل الذي احتدم طويلاً، والذي أطلقه أليكساندر هاميلتون وتوماس جيفرسون، بشأن امتيازات وتكاليف تعزيز السلطة المالية، وينتقد آبرهام لينكولن؛ بسبب قيادة الولايات المتحدة نحو الهاوية من خلال الرقابة السياسية على طبيعة الأوراق النقدية عن طريق قانون «العملة القانونية» لعام 1862، والذي يجيز للحكومة الفيدرالية دفع فواتيرها بأوراق نقدية غير مضمونة بقيمة مساوية من الذهب أو الفضة.

وتدعو أوصافه للسلطة المهولة، والجريئة في بعض الأحيان، لـ «جيه بي مورغان» وآخرين في العصر الذهبي لتذكر المصرفيين في بعض أكبر المؤسسات المالية في الوقت الراهن.

لكن، مع تصفح النصف الثاني من الكتاب، حيث انتقل المؤلف إلى القرن العشرين، يبدو مصمماً على الطعن في الديون الحكومية، وما يراه إدارة نقدية موحلة.

ويرى والين أن الاضطرابات الحالية التي تعيشها الولايات المتحدة تعود إلى تلك الأيام، عندما دخلت الحرب العالمية الأولى، واختار صناع القرار في القطاعين العام والخاص تمويل تكلفة الحرب من خلال زيادة ضخمة في الدين الفيدرالي.

ويقول «ومن دون ألم أو اكتراث، قبلت الدولة فكرة الازدهار من خلال الاقتراض».

ومن وجهة نظر الكاتب، فاقم هذا القبول الكساد الكبير، معلناً «صفقة جديدة»، والتي وصفها بأنها «نهوض دولة الشركات»، ثم، شجع هذا الوضع عجز الإنفاق، ودفع إلى ارتفاع كبير في معدلات التضخم قوضت بصورة ثابتة القوة الشرائية للدولار».

وفي توضيحه لأسباب الكساد وموروثه الأكبر، اتسم الكتاب إلى حد ما بالغموض، واكتظ بموضوعات كثيرة في التاريخ الاقتصادي، وكان حري بوالين أن يقدم دعماً أكبر لقراءته الخاصة للتاريخ، ويقدم دليلاً أكثر منهجية.

وأفاد الكتاب أن الفترة، التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، شهدت استمرار تدخل الحكومة الفيدرالية في الاقتصاد، وأصبح أعضاء كلا الحزبين السياسيين الكبار في الولايات المتحدة على قناعة بأن عجز الإنفاق سيؤدي إلى استخدام موارد بكر، وتصحيح إخفاقات السوق، ويسفر عن نتائج اقتصادية أفضل.

وفي الفصول الأخيرة، يتذكر الكتاب نهوض «الانكماش التضخمي» في سبعينات القرن الماضي، ويصف عدداً من التراجعات منذ 1980، وفي العقود الأخيرة كذلك.

ويروي أن الاتجاهات المالية والاقتصادية لم تكد تؤكد النموذج الموضوع في السنوات السابقة، في ظل ديون القطاع العام والالتزامات الحكومية الأخرى والتضخم والنمو بمعدلات أسرع بكثير من الاقتصاد الحقيقي.

ويختتم المؤلف كتابه موصياً بالحاجة إلى وضع أطر عمل تميز بين «النمو الاقتصادي الحقيقي»، و«أوهام النمو» التي أحدثها التضخم والمضاربة المدفوعة بالاقتراض.

وقال «لقد اقترضنا، بشكل كبير، من المستقبل لتمويل مستويات معيشتنا المرتفعة عبر التاريخ.. تلك المستويات التي لم نكن نرغب في السابق أن نمولها في الوقت الحقيقي عن طريق التقشف المالي أو مزيد من الصناعات المنزلية».

وأضاف «أن معظم هذه القروض كان من مقرضين أجانب، قد لا تكون لديهم دائماً الرغبة في تمويل الاستهلاك الأمريكي»، متسائلاً «هل توجد لدينا الشجاعة كي نقود مناقشات عالمية مع دول أخرى بشأن الدولار، وافتتان الولايات المتحدة بالتضخم والديون ؟».

ولا ريب في أن والين طرح قضايا مهمة، في الوقت الراهن، بشأن المسؤولية المالية والحاجة إلى إشراف نقدي حذر على مر التاريخ الاقتصادي والسياسي للولايات المتحدة الأمريكية.


الكاتب :- كريستوفر والين

0 التعليقات :

إرسال تعليق