لقد أصبح من المسلّم به، على نطاق واسع، بين علماء الاقتصاد وبين الباحثين في المجالات الاقتصادية والمالية والنقدية على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية والمنهجية أن بزوغ ونمو الشركات عابرة القارات، أو كما تسمى أحياناً «الشركات الدولية» أو «الشركات متعددة الجنسية» هو واحد من أكثر التطورات دراماتيكية خلال السنوات الأخيرة.
ويعتبر بعض الباحثين هذا التطور ظاهرة كبرى أو الظاهرة الأكبر في الاقتصاد الدولي اليوم، وتتجاوز هذه الأهمية حدود المجال الاقتصادي إلى التأثير العميق في المجالات السياسية والاجتماعية، وبصفة خاصة في دور الحكومات بممارسة لمسؤولياتها، وفي سير العلاقات بين الدول. إن عمليات هذه الشركات تنتشر الآن على اتساع العالم كله، حيث تبني المصانع، وتبيع منتجاتها في عديد من الدول المختلفة، وتحوّل مبالغ هائلة من النقود بين العملات المختلفة، وفقاً لاحتياجاتها، كما توظف أناساً من جنسيات متباينة. وعلى سبيل المثال، فإن أيّاً من هذه الشركات ( جنرال موتورز ) للسيارات، و( شيل ) أو ( إسو ) للنفط، و( آي. بي. إم) للحاسبات الإلكترونية، و( فيليبس ) للمعدات والأجهزة الكهربائية، لا يمكن أن تنسب إلى بلد معين، حيث إن منتجاتها لا تصنع في بلد واحد، وإنما تصنع في عدة بلدان مختلفة بوقت واحد، وتباع من خلال نظم متكاملة للتوزيع تتخطى الحدود الوطنية. ومن ناحية أخرى، فإن هذه الشركات على درجة بالغة من الضخامة، حتى إن المبيعات السنوية لواحدة منها، يمكن أن تعادل أو تفوق إجمالي الانتاج الوطني لوحدة من الدول الأوروبية، كما أن معدل نموها أسرع بكثير منها. لقد أكدّ أشمل التقارير التي نشرت عن عمليات الشركات عابرة القارات - وهو تقرير أعدته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن القيمة الدفترية لاستثمارات هذه الشركات في العالم خلال الستينيات - أن هذه القيمة بلغت حوالي 90 مليار دولار، ثلثاها في البلدان الصناعية المتقدمة، والباقي في البلدان الأقل نمواً. ومن المؤكد، أن هذه الأرقام أصبحت قديمة، حيث يقدر أن إجمالي استثمارات الشركات متعددة الجنسية قد نما بمعدل سنوي قدره 12 بالمائة، وعلى هذا، فلا بد أن يكون هذا الإجمالي قد بلغ أكثر من 150مليار دولار في أوائل السبعينيات، و200مليار دولار في أوائل الثمانينات، و250مليار دولار في أوائل التسعينيات، وقد وصل إلى 300مليار أو أكثر في أوائل الألفية الثالثة. إن الشركات عابرة القارات تشكل اليوم قوة اقتصادية عظمى، فإنتاجها يزيد بمعدل يبلغ نحو ضعف معدل نمو الاقتصاد الداخلي للدولة الصناعية المتقدمة، ومن المتوقع أن يكون لنحو (500) أو (600) شركة من هذه الشركات في منتصف هذا القرن، ملكية ما لا يقل عن ثلثي مجموع الأصول الثابتة في العالم بأسره، وأن تقوم بإنتاج أكثر من نصف الانتاج العالمي. وقد قدّر باحثو ( جامعة هارفارد ) أن القيمة المضافة التي حققتها الشركات عابرة القارات خلال عام واحد، بلغت حوالي 500 مليار دولار، أي خمس 1/5 إجمالي الانتاج الوطني لكل دول العالم. وبناء على ذلك، توصلّ أحد الباحثين إلى أن كل دولار واحد من القيمة الاستثمارية النقدية ينتج دولارين من المبيعات سنوياً. وعلى هذا الأساس نفسه، تكون الشركات الدولية قد أنتجت من السلع ما تربو قيمته على 300 مليار دولار خارج بلدانها الأصلية. وهذا الرقم يفوق القيمة الكلية للتجارة العالمية خلال ذلك العام. إن هذه الحقائق والمعطيات وجهّت الأنظار إلى خطورة دور الشركات عابرة القارات وتأثيرها في العالم كله، وزاد من هذا الاهتمام ما تبيّن لعديد من الباحثين أن هذه الشركات تفرض قيوداً شديدة على المعلومات عن استثماراتها وعملياتها ومبيعاتها وأرباحها وتحويلاتها النقدية، وما تبيّن أيضاً من أن معظم مديري هذه الشركات العملاقة يفضّلون عدم إثارة المناقشات حول هذه المعلومات، سواء في مؤتمرات أو ندوات أو حلقات دراسية.
إذ يشعر هؤلاء أن من الخطورة بمكان مناقشة آثار النمو السريع للشركات الدولية على الملأ، على أساس أن مثل هذه المناقشة، من شأنها أن تثير انزعاج الحكومات والرأي العام في البلدان التي تمارس فيها نشاطاتها، الأمر الذي قد يثير بالتالي أفعالاً سياسية ضارة بمصالح تلك الشركات. يقول سمير كرم في كتابه (الشركات متعددة الجنسية): إن الحجم الاقتصادي الضخم للشركات متعددة الجنسية، والانتاجيات الهائلة التي تحققها، يوفران الموارد المالية والخبرات اللازمة للبحوث العلمية والتقنية.
نزيف الأدمغة بَيْدَ أن المشكلة تكمن في كون هذه الشركات تلعب دوراً خطيراً في تشجيع ظاهرة نزيف الأدمغة، أي هجرة العقول العلمية والفكرية والتقنية وأصحاب الخبرات المختلفة من دول العالم الثالث إلى الدول التي توجد فيها مقارّ رئيسية لهذه الشركات، وبخاصة الولايات المتحدة. وللأسف فإن سيطرة بعض الشركات الدولية في المجال التقني، تبلغ حداً يجعل لها هيمنة سياسية واجتماعية في بعض الأحيان، لذا، يؤكدّ أكثر من مصدر اقتصادي، أن هناك ثمناً سياسياً لقاء الفوائد العلمية والاجتماعية التي تقدمها الشركات الدولية في مجال التقدم التقني. إن الشركات عابرة القارات تمارس سيطرة مركزية كاملة من البلد الأصلي على فروعها المنتشرة في أنحاء العالم. وجميع الفروع تعمل تحت نظام دقيق وفي إطر إستراتيجية وسيطرة عالمية مشتركة، ذلك لأن المركز الرئيس للشركة عابرة القارات هو بمثابة الدماغ والجهاز العصبي المركزي لهذه الإستراتيجيات. إن دوائر اقتصادية عديدة في العالم، تذهب الآن إلى أن معدل ازدياد قوة الشركات عابرة القارات وسلطانها ونفوذها، سوف يتسارع بصورة دراماتيكية، وأن العالم يتحوّل نتيجة لذلك بسرعة نحو عصر المؤسسات الأكبر من عملاقة. وعلى سبيل المثال، فإن أحد أنصار هذا الرأي وهو «هوارد بيرلوتر»، يعتقد أن العالم قد أصبح تحت هيمنة عدد من الشركات الدولية البالغة الضخامة التي يتراوح عددها بين (500 و600) شركة، وهي المسؤولة عن القسم الأكبر من الانتاج الصناعي العالمي. وللأسف، فإن الشركات الدولية تفرض شروطاً باهظة ومجحفة على دول العالم الثالث النامية، مقابل تقديم رؤوس الأموال الأجنبية إلى هذه الدول. وبصفة عامة، فإن الشركات الدولية لا تقوم بالاستثمار في الدول النامية إلا بشروط تحقّق لها أرباحاً أعلى بكثير من تلك التي تحصل عليها من الاستثمار في الدول الصناعية المتقدمة. كذلك فإن الشركات الدولية فيما تقيمه من مشروعات في البلدان النامية، تفرض عادة مشروعات ليست ذات أولوية عالية في التنمية، مثل النشاطات السياحية والمصرفية والتجارية، وحين تهتم هذه الشركات بالصناعة، فإنها تنتج سلعاً لا تستجيب لاحتياجات الناس، وسلعاً ليست في متناول دخولهم، وإنما تستهلكها الأقلية الغنية. إن السمة الربوية الواضحة، تبرز في هيمنة الشركات عابرة القارات على الحياة العالمية، حيث إنها تسيطر على مجمل العلاقات النقدية والمالية الدولية من خلال المصارف عابرة القارات أيضاً، فالشركات المرابية لا تقوم بوظائف مالية نظيفة، وإنما تتلاعب بالاحتياطيات النقدية العالمية، وتتحكم باتجاهات توظيفها بأساليب احتيالية لفترات قصيرة، فتسبّب تأزيم الأوضاع المالية والنقدية للبلدان الفقيرة تأزيماً خطيراً، يجعلها أكثر طواعية في قبضة المؤسسات العالمية الحاكمة. إن الشركات عابرة القارات تسيطر سيطرة تامة على حوالي نصف التجارة الدولية، إذ تقوم بتسويق 90 بالمائة من أهم السلع الأساسية التي تصدرها بلدان الجنوب الفقيرة، بينما تسيطر الحكومات الصناعية على معظم نصف التجارة الدولية الثاني. ومن المعلوم، أن الدول الصناعية هي المالكة للشركات عابرة القارات، وأن أذرعها المالية والنقدية تتحرك طليقة داخل هذه الشركات، وقد تبيّن خلال عشر سنوات مضت، أن الشركات المرابية استردت 2.5 دولار مقابل دولار واحد وظفته في البلدان الفقيرة. ربوية النظام العالم إن إنسان هذا العصر لا يمكن أن يصدق بأن إدارات النظام العالمي لا تعي خطورة تدمير بلدان جنوب العالم، ولكن الحالة تصبح مفهومة في ظل حقيقة أساسية هي: ربوية وعالمية هذا النظام العالمي، فلقد أبيدت مجتمعات لصالح نهوض مجتمعات، ودمرّت قارات لصالح بناء قارات، وسحقت طبقات في سبيل حياة طبقات، وصفيّت احتكارات أدنى من أجل دعم احتكارات أعلى. إن ميكانيكية النظام العالمي، الباردة الصماء، تنضح ثروات جنوب الكرة الأرضية بلا أدنى هوادة، بَيْدَ أنها لا تريد لهذا الجنوب أن ينضب، وهو ـ وللأسف ـ قد أوشك على النضوب!!. إن الشركات عابرة القارات لا يمكن أن تُفهم بشكل جلي، دون استجلاء كافة التأثيرات التي تتركها في ساحة نشاطها، إذ إن هذه التأثيرات لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، وإن كان يعتبر أحد الحوافز الرئيسية لنشوئها، حيث إن نشاطها وطريق تنظيمها وإدارتها، يؤدي إلى تأثيرات ذات طابع سياسي واجتماعي عميق. إذ تعتبر الشركات عابرة القارات أحد أرقى الأشكال الاستثمارية المعاصرة للرأسمالية. وقد بدأ نشاط هذه الشركات بعد الحرب العالمية الثانية. إن المعيار الذي يضبط النشاط الاستثماري للشركات عابرة القارات من حيث اتساع هذا النشاط أو تقلصّه، هو معيار حجم الانتاج الدولي. يقول سامي هابيل في كتاب ( السمات الراهنة للعصر الرأسمالي ): إن التعليل المنطقي لأسباب نشوء هذه الشركات يندرج في إطار فهم طبيعة الأهداف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لهذه الشركات، ودورها في خدمة النظام الرأسمالي، طبقاً للمبدأ القائل: ( ليس لرأس المال وطن، بل وطنه سوق الاستثمار ). وقد أشار تقرير منظمة الأونكتاد إلى سيطرة هذه الشركات بقوله: توجد في الوقت الراهن (ثمانينات القرن الماضي ) حوالي 15 شركة تجارية كبيرة تتحكم بـ 90 بالمائة من تجارة القطن العالمية، وثلاث شركات تتحكم بـ75 بالمائة من تجارة الموز، وخمس شركات تتحكم بـ75 بالمائة من تجارة الكاكاو، وست شركات تتحكم بـ 90 بالمائة من تجارة التبغ والدخان. ومع بداية الألفية الجديدة فإن مجمل خسائر الدول النامية بسبب تحكّم هذه الشركات قدّر بحوالي 50-100 مليار دولار سنوياً. وقد أوضحت مؤشرات الجداول الاحصائية الصادرة عن الأمم المتحدة، حجم الدور الذي تلعبه هذه الشركات في صادرات البلدان النامية، وبينت أن 85 بالمائة من تجارة المواد الغذائية يتم تصديرها عن طريق هذه الشركات، وكذلك 90 بالمائة من تجارة المواد الخام الزراعية، و95 بالمائة من المواد المعدنية والخامات. والمشكلة، هي ترافق تطور التقنية في العالم مع نشوء الشركات عابرة القارات، حيث حولت التقنية من أداة إيجابية لتطوير المجتمعات وخدمة التقدم البشري، إلى أداة ابتزاز واستنزاف لشعوب البلدان النامية. فقد قامت هذه الشركات على أساس توحيد السوق الدولية للتقنية وإخضاعها لعوامل الاحتكار، كما أن الدور الخطير الذي تقوم به هذه الشركات، هو تحويل أدوات التقنية إلى سلعة تجارية لا أداة علمية، وخطر ذلك يكمن في الآثار الثقافية وأساليب التفكير لدى مجتمع البلد المستورد. فقد أوضحت الدراسات الصادرة عن منظمة الأونكتاد، أن مشروعات الاستثمار وتأثيراتها الناجمة عن استخدام التقنية كانت سلبية في البلدان النامية. إضافة إلى ما تلعبه الشركات عابرة القارات من أدوار في مجال إحباط أية امكانية للاستفادة من التقنية لنهوض صناعي مستقل في البلدان النامية . |
بقلم: د. زيد بن محمد الرماني



0 التعليقات :
إرسال تعليق