تابع جديد المدونة عبر:

الإصغاء الاستراتيجي

 
كثير منا يتحدث عن فضائل الإصغاء، وبعضنا يردد إن الله خلق للإنسان أذنين وفماً واحداً لكي يسمع ضعف ما يتكلم، وإذا جئت لواقع الحال تجد أن أحدنا لا يمارس الإصغاء بل إن لسان حاله وهو يتحدث يقول إنني أذكى منك وأعرف منك وأفهم منك لذا فإنني أحق منك بالكلام، وقد يعبر بعضهم عن ذلك حرفياً بقوله « خل أعلمك «، وإذا كان مثل هذا السلوك مقبولاً أو مفهوماً في الدردشات الاجتماعية فإنه يصبح خطيراً إذا مارسه المسئولون والمديرون لأنهم حينئذ ينشغلون عن التقاط الإشارات والانتباه إلى المعلومات والإشارات التي يمكن أن تنبئهم بما يجدر بهم إدراكه من تطورات أو تغيرات تؤثر على بيئة أعمالهم وظروفها.

في مقابلة أجريت مع رجل الأعمال الأمريكي كيفين شيرر، رئيس شركة آمجن العملاقة المتخصصة في التقنية الحيوية، عرف الإداري الأمريكي الإصغاء الاستراتيجي بقوله: «إنه نظام للإصغاء ذو هدف، متعدد الأوجه، متحسس للزمن، يساعد على التقاط الإشارات التي تحتاج إليها من بيئة عملك»، ثم أوضح قائلاً إنه قد تعلم أن يصغي بهدف واحد لا ثاني له وهو هدف الفهم، ليس بهدف الانتقاد أو الاعتراض أو الإقناع أو الاستعداد للرد، وإنه قد تعلم هذه الخصلة أثناء إقامته في اليابان ذلك أن اليابانيين هم أكثر من يتقن الإصغاء.

كان من المعروف عن الشيخ سليمان العليان، يرحمه الله، وهو قطب فريد من نوعه في عالم الأعمال على الصعيدين المحلي والعالمي، أنه كان قليل الكلام كثير الإصغاء، وكان كثيراً ما يمضي وقتاً طويلاً مع مساعديه كل على انفراد ليسألهم عن سير العمل وعن التطورات الاقتصادية والتجارية والإنسانية في محيط أعمالهم، وكان بذلك يسعى إلى تحقيق هدفين، أحدهما هو التأكد من أن المسئولين من رفاقه يسيرون على منهجية واحدة وأن قنوات التواصل بينهم مفتوحة وفعالة، والهدف الثاني هو أن يساعدهم على شحذ أفكارهم لتلمس الفرص المستقبلية المتاحة في هذا المجال أو ذاك أو استشعار أوجه الخطر والتهديد التي يمكن أن تجابه المؤسسة في مجال عملها.
 لقد كان يصغي إلى الحقائق ويصغي إلى المنطق ثم يستخلص النتائج والعبر اللازمة، وكأنه يجمع قطع الموزاييك المتناثرة ليشكل بها أبهى الصور وأجملها أو كما ينظم الصائغ الفنان نادر الدر ليصنع منه رائع الحلي.

البديل للإصغاء هو الإخفاق، فالمديرون الذين لا يستمعون إلى رفاقهم يفقدون في النهاية ثقة هؤلاء الرفاق ودعمهم، والمؤسسات التي لا تصغي تخفق لأنها لا تستطيع أن تدرك تغير الظروف أو تبدل الأهواء والاحتياجات لدى العملاء أو العاملين، وكأن الذي لا يصغي قد أضحى فاقداً للبصر أو لعله فاقد للبصيرة.

الكاتب :-
م/ عبدالله بن يحيى المعلمي

0 التعليقات :

إرسال تعليق