تابع جديد المدونة عبر:

على الأجيال القادمة أن تدفع فاتورة الأزمة المالية العالمي

إن عملية التحول الجذري الجارية منذ أربعة عقود، وهي المدة التي هجر فيها الاقتصاد العالمي على نحو متنام الصناعات واتجه بكل قوته إلى المضاربات غير المقيدة، قد وصلت إلى طريق مسدود. إن النظام المالي العالمي على وشك الانفجار داخليا. إن الناتج الإجمالي العالمي الذي يقدر بحوالي 40 ترليون دولار سنويا يحمل على كاهله فقاعة هائلة من المضاربات أكبر بمرات عديدة من حجمه، حيث تبلغ هذه الفقاعة حوالي 2000 ترليون دولار من التداولات المالية سنويا. إن الإفلاس الوشيك لشركة جينرال موتورز وربما كل صناعة السيارات الأمريكية ما هو إلا عامل واحد من العوامل العديدة التي قد تقود إلى انهيار الدولار وبالتالي مجمل النظام المالي العالمي». ليندون لاروش 20 مايو 2005م. هناك شبه إجماع في التقارير المنشورة نهاية عام 2008م على أن هذه الأزمة هي ثاني أعنف أزمة عالمية بعد الكساد العظيم (1927م – 1933م). إلا أن التضارب في تقديرات حجم الأزمة بدأ في الازدياد مع ظهور النتائج المخيبة للآمال في بداية عام 2009م، ففي فبراير 2009م صرح رجل الأعمال جورج سورس بأن الأزمة المالية العالمية الحالية أكثر شدة مما كان عليه الوضع في فترة الكساد العظيم. وقد ذكرت وكالة رويتر نقلاً عنه في 7 إبريل 2009م أنه لا ينتظر انتعاشاً لاقتصاد الولايات المتحدة خلال عام 2009م. 

في حين أعلن رئيس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي (البنك المركزي) بن برنانكي في 15 سبتمبر 2009م أن الانكماش الاقتصادي الأمريكي الذي بدأ في ديسمبر 2007 «انتهى على الأرجح». وقال برنانكي في مؤتمر صحفي في مؤسسة بروكينغ بواشنطن بعد سنة من بدء حالة الذعر المالي إثر إفلاس مصرف ليمان براذرز «إن الانكماش انتهى على الأرجح في هذه المرحلة». وكرر توقعات البنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي التي أشارت إلى أن الانتعاش سيكون بطيئا والبطالة قد تواصل ارتفاعها حتى 2010. لم يكن بن برنانكي يعلم بأزمة دبي المالية أو الأزمة اليونانية التي تبعتها بفترة قصيرة. ولم تكن البيانات والمعلومات في ذلك الوقت – وحتى الآن – متاحة لتحديد حجم المخاطر السيادية. فقد قامت الحكومات في معظم أنحاء العالم بضخ كميات هائلة من السيولة – تقدر بأكثر من خمس تريليونات دولار– لتنشيط اقتصاداتها وتعزيز أنظمتها المالية، إلا أن ذلك أدى إلى تحول جزء كبير من المخاطر المالية إلى الميزانيات العمومية السيادية وارتفاع مستويات الدين العام. 

وقد أثرت الأزمة المالية العالمية بشكل بالغ في نشاط الاقتصاد الحقيقي وأظهرت ضعفاً في الجوانب التشريعية والرقابية على القطاعات المالية، ولتقوية الجوانب التشريعية قامت منظمات المعايير الدولية ” International Standards Setters” (مثل لجنة بازل، والمنظمة الدولية للجان الأوراق المالية IOSCO، والمنظمة العالمية للإشراف على التأمين IAIS، والاتحاد الدولي للمحاسبين IFAC، ومجلس معايير المحاسبة الدولية IASB) بتوحيد معايير الإشراف والرقابة على القطاعات المالية، والمساهمة كذلك في تقوية الجوانب التشريعية. في حين أسفرت سياسات دعم وتنشيط الاقتصاد الحقيقي التي قامت بها معظم الحكومات في تحقيق الاستقرار النسبي في أسواقها المالية، وانعكس ذلك على تعزيز استقرار النظام العالمي. 

إلا أن استمرار استقرار النظام المالي العالمي مرهون بنجاح خطة الخروج من مرحلة الدعم الاستثنائي التي قامت بها الحكومات. والتحدي الذي يواجهه صانعو السياسات الاقتصادية يكمن في تحديد الوقت المناسب لعملية للانسحاب، ومدى سرعتها، وتسلسل خطواتها. فالانسحاب السريع قبل الوقت المناسب قد يؤدي إلى تدهور القطاعات المالية وتعرضها إلى درجات مخاطرة أسوأ مما كانت عليه قبل الأزمة. أما تأخر عملية الانسحاب فقد تؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية وظهور الفقاعات في الأسواق المالية وأسعار الأصول مثل العقارات. 

ومهما كانت عملية الخروج ناجحة، فإن الأجيال القادمة ستدفع فاتورة الأزمة المالية العالمية التي أفرزها التوسع في منح الائتمان وضعف الجوانب التشريعية والرقابية على الأنظمة المالية. ويختلف حجم التكاليف التي تتحملها الأجيال القادمة من دولة لأخرى بحسب حجم مواردها وقوة هياكلها الاقتصادية. كما أن التكاليف قد تكون على شكل تدهور أسعار صرف عملاتها وارتفاعات مستمرة في المستويات العامة للأسعار، أو ارتفاعات مستمرة في معدلات البطالة، أو عجز مزمن في الميزانيات العامة يؤدي إلى تقويض قدرة الحكومات على توفير الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم للأجيال القادمة 


كتبها: فادي العجاجي - مستشار اقتصادي ، في , 20/03/2010

0 التعليقات :

إرسال تعليق