الكثير من الدول كوّنتْ لنفسها قوة ذاتية في كل مجالات المنافسة عبر جودة التعليم وحسن إدارته. ففنلندا دولة اسكندنافية صغيرة الحجم قليلة الموارد، يبلغ عدد سكانها حوالي خمسة ملايين نسمة، لكنها تحولت في زمن قصير (10 سنوات) من دولة زراعية قليلة الموارد إلى بلد ذي اقتصاد معرفي، يشتهر بصناعة البرمجيات، وأجهزة الهاتف النقال، وأصبح دخل الفرد فيها يضاهي نظيره في بريطانيا وألمانيا وإيطاليا، وذلك بفضل جودة التعليم وحسن إدارته ومجانيته، وقوة التعليم الحكومي ومواكبته للتطور وتركيزه على البحث العلمي، وكفاءة وفاعلية من يقودونه، حتى صنف نظامها التعليمي كأفضل نظام من نوعه في العالم. لقد احتلت فنلندا المركز الأول في قائمة الطلبة الأفضل تعليماً، وأصبحت شعاراً لثقافة الإبداع والابتكار والاختراع.
أما اليابان فمن أهم أسباب نجاحها، اعتمادها سياسة تعليمية واضحة، وتبنيها مشروعاً تعليمياً يحقق خصائص الشفافية والعدالة والمساواة، ويؤكد على الهوية اليابانية، لغة وثقافة.
ورغم الظروف الصعبة التي مرت بها كوريا الجنوبية وافتقارها هي أيضاً للموارد الطبيعية، فقد اعتمدت جودة التعليم واقتصاد المعرفة كخيار استراتيجي لتحقيق نهضتها الصناعية والتقنية. وهذا ما تحقق أيضاً في سنغافورة وماليزيا وإيرلندا... التي أصبحت تنافس الولايات المتحدة في حقل البرمجيات.
أما صعود الصين المثير للدهشة في مدة قصيرة فأظهر أن سر تفوقها إنما يكمن في نظامها التعليمي وحسن إدارته، وقد حدد معالمه "لي لانكينغ"، النائب السابق لرئيس الحكومة الصينية الذي قاد مسيرة إصلاح قطاع التعليم وتطويره لمدة عشر سنوات (1993 -2003) في كتابه "توفير التعليم لـ1،3 مليار إنسان"، حيث يطرح في البداية أسئلة حول الكيفية التي حققت للصين صعودها العالمي، وكيف استطاع التعليم أن يقود مثل ذلك الصعود، ثم يجيب على أسئلته. فبعد أن وجدت الصين نفسها في بداية التسعينيات وسط عالم يتغير بسرعة، لم تجد بداً من تغيير نظامها التعليمي، فاستعانت بأهل الاقتصاد وأصحاب الخبرة في الميدان التربوي. وكما يوضح "لي لانكينغ"، فإن أهم عامل أنجح هذه التجربة هو الاهتمام بالعلماء والمختصين وأصحاب الخبرة.
إن الإصلاح في جوهره هو عملية استكشاف قد يتبعها تقدم، فإذا كان المنهج المتبع في قيادة التعليم صحيحاً، يجد انعكاسه في حالة المجتمع. وحسب "لانكينغ" فإنه لا ينبغي إطلاق شعارات الإنجاز في الإعلام قبل أن يتحقق ذلك الإنجاز فعلياً في أرض الواقع، لأن مشكلة التعليم دائماً ما تكمن في مثل هذه العقليات.
أما نحن في العالم العربي فنضع مئات المشاريع والاستراتيجيات، ونطلع على التجارب، لكن الهرم لدينا مقلوب، فلا نأخذ بالمفاتيح الحقيقية للتطور ونعتمد على سر نجاح تلك التجارب ليصبح لدينا نموذج عربي مبتكر، فيتحول التعليم لدينا إلى وعاء حقيقي قادر على احتضان الموهوبين ومن يمتلكون ملكة الإبداع، ويجعلهم قادرين على مواجهة التحديات القادمة، ويحول إنجازاتهم إلى طاقات منهجية تؤسس لثقافة جديدة ولنموذج عربي جديد يقف بنا على عتبة عصر المبدعين والمخترعين ويكون شعاره ثقافة الاختراع، الإبداع.
بقلم - محمد الباهلي
* نقلاً عن صحيفة الإتحاد .
أما اليابان فمن أهم أسباب نجاحها، اعتمادها سياسة تعليمية واضحة، وتبنيها مشروعاً تعليمياً يحقق خصائص الشفافية والعدالة والمساواة، ويؤكد على الهوية اليابانية، لغة وثقافة.
ورغم الظروف الصعبة التي مرت بها كوريا الجنوبية وافتقارها هي أيضاً للموارد الطبيعية، فقد اعتمدت جودة التعليم واقتصاد المعرفة كخيار استراتيجي لتحقيق نهضتها الصناعية والتقنية. وهذا ما تحقق أيضاً في سنغافورة وماليزيا وإيرلندا... التي أصبحت تنافس الولايات المتحدة في حقل البرمجيات.
أما صعود الصين المثير للدهشة في مدة قصيرة فأظهر أن سر تفوقها إنما يكمن في نظامها التعليمي وحسن إدارته، وقد حدد معالمه "لي لانكينغ"، النائب السابق لرئيس الحكومة الصينية الذي قاد مسيرة إصلاح قطاع التعليم وتطويره لمدة عشر سنوات (1993 -2003) في كتابه "توفير التعليم لـ1،3 مليار إنسان"، حيث يطرح في البداية أسئلة حول الكيفية التي حققت للصين صعودها العالمي، وكيف استطاع التعليم أن يقود مثل ذلك الصعود، ثم يجيب على أسئلته. فبعد أن وجدت الصين نفسها في بداية التسعينيات وسط عالم يتغير بسرعة، لم تجد بداً من تغيير نظامها التعليمي، فاستعانت بأهل الاقتصاد وأصحاب الخبرة في الميدان التربوي. وكما يوضح "لي لانكينغ"، فإن أهم عامل أنجح هذه التجربة هو الاهتمام بالعلماء والمختصين وأصحاب الخبرة.
إن الإصلاح في جوهره هو عملية استكشاف قد يتبعها تقدم، فإذا كان المنهج المتبع في قيادة التعليم صحيحاً، يجد انعكاسه في حالة المجتمع. وحسب "لانكينغ" فإنه لا ينبغي إطلاق شعارات الإنجاز في الإعلام قبل أن يتحقق ذلك الإنجاز فعلياً في أرض الواقع، لأن مشكلة التعليم دائماً ما تكمن في مثل هذه العقليات.
أما نحن في العالم العربي فنضع مئات المشاريع والاستراتيجيات، ونطلع على التجارب، لكن الهرم لدينا مقلوب، فلا نأخذ بالمفاتيح الحقيقية للتطور ونعتمد على سر نجاح تلك التجارب ليصبح لدينا نموذج عربي مبتكر، فيتحول التعليم لدينا إلى وعاء حقيقي قادر على احتضان الموهوبين ومن يمتلكون ملكة الإبداع، ويجعلهم قادرين على مواجهة التحديات القادمة، ويحول إنجازاتهم إلى طاقات منهجية تؤسس لثقافة جديدة ولنموذج عربي جديد يقف بنا على عتبة عصر المبدعين والمخترعين ويكون شعاره ثقافة الاختراع، الإبداع.
بقلم - محمد الباهلي
* نقلاً عن صحيفة الإتحاد .



0 التعليقات :
إرسال تعليق