تابع جديد المدونة عبر:

ماذا حدث للاتحاد النقدي الخليجي ؟

أُعلن الاتحاد النقدي الخليجي للمرة الأولى في العام 2001 كأحد مشاريع التكامل التاريخية بين دول مجلس التعاون الخليجي. وتكراراً لتجارب الاتحاد النقدي الأوروبي، كان من المتوقع أن يعزز هذا الاتحاد المكانة العالمية لتكتل دول الخليج وإطلاق العنان لفرص اقتصادية جديدة. وعلى الرغم من تعرض المشروع لبعض الانتكاسات عندما أعلنت سلطنة عمان والإمارات الانسحاب منه في العامين 2007 و2009 على التوالي.

 إلا أنه لا يزال رسمياً في المسار الصحيح، وقامت كل من السعودية والكويت وقطر والبحرين بالتوقيع على معاهدة الاتحاد في العام 2009، ويعمل مجلس النقد الخليجي - الذي يقصد منه أن يكون مقدمة للبنك المركزي الخليجي - الآن في الرياض، وعُهدت إليه مهمة التحضيرات الفنية للاتحاد.

وأشار البعض إلى أن التوقعات المرتبطة بالاتحاد قد تلاشت، حيث كانت الأسباب الرئيسة لهذا الأمر ذات شقين، أولهما، أن الأزمة الاقتصادية العالمية زادت المخاطر الاقتصادية التي تواجه اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي كل على حدة. وعلى الرغم من أن المنطقة قد استفادت من الإيرادات الاستثنائية الكبيرة لعائدات النفط والغاز في السنوات الأخيرة.


 إلا أنه لا تزال هناك إمكانية أن تنشأ ثغرات كبيرة بسبب الاقتصاد العالمي الهش، والاختلالات في بعض أسواق العقارات الإقليمية، وتفاوت مستويات قوة الكيانات الاقتصادية المرتبطة بالحكومات في المنطقة، وعلى الرغم من أن انسحاب الإمارات من المشروع كان على سبيل الاحتجاج السياسي على قرار لتحديد موقع البنك المركزي في الرياض، إلا أنه من الواضح أن الاضطراب الذي كان على وشك ضرب الاقتصاد قد لعب دوراً أيضاً، كما حدث مع سلطنة عمان.

 وعلى الرغم من أن التوقعات الاقتصادية للمنطقة تبدو الآن جيدة إلا أن نقاط الضعف الهيكلية لا تزال تمثل التزامات طارئة كبيرة لبعض حكومات دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى الرغم من التفاؤل السائد اليوم، إلا أن السنوات القليلة الماضية قد سلطت الضوء على الآثار المحتملة للإقدام على هذه الخطوة قد تبدو خطيرة، كما أن الأزمة العالمية لم تنته بعد.

وثانياً، المشاكل المتوطنة في منطقة اليورو تبرهن على أن الاتحادات النقدية بشكل عام أصبحت غير مقبولة على الأقل في الوقت الراهن، وفي الحقيقة، يأتي التكامل النقدي بإيجابيات وسلبيات، ويميل البندول التاريخي المتأرجح إلى خلق فترات تكون فيها الاتحادات النقدية مفضلة وفترات أخرى يتحول فيها التركيز على المخاطر المرتبطة بها، وفي الوقت الحالي لا يبدو شي غير المخاطر التي تظهر بشكل يومي على الصفحات الأولى للصحف، وهو ما قلل من الجاذبية السياسية لاتخاذ إجراءات سريعة، إذ ينتظر الكثيرون ليروا ماذا سيحدث للدراما الأوروبية.

ولكن إحقاقاً للحق، فإن رسالة أوروبا ليست سلبية تماماً، فهي تسلط الضوء على الحاجة إلى التقارب الصحيح، والقواعد الواضحة المطبقة على نحو فعال وآليات إدارة الأزمات ذات المصداقية، وتعود المشاكل التي تعاني منها منطقة اليورو أساساً إلى التسويات السياسية التي جاءت في البلدان التي لا تف بمعايير التقارب وأخفقت في تطبيق القواعد، ولكن الوضع في اقتصادات الخليج مختلف تماماً، فلديهم العديد من أوجه التشابه ويتمتعون باقتصادات قوية.


 وهي منطقة العملة الطبيعية التي تدعمها رؤية سياسية متطورة للاندماج أكثر بكثير من منطقة اليورو الحالية، حيث إن هناك استمرار ووئام نقدي كبير في المنطقة، وإذا ما قمنا باستثناء الكويت، لا تزال دول مجلس التعاون الخليجي ملتزمة التزاماً راسخاً بربط عملاتها بالدولار، وحتى الدينار الكويتي يتم ربطه بسلة عملات يهيمن عليها الدولار بشدة، ونتيجة لذلك، تعمل المنطقة بالفعل في ظل وجود درجة عالية من الانسجام والاستقرار في السياسة النقدية.

وقد تضفي الوحدة النقدية في العديد من الطرق الأساسية الطابع الرسمي على الوضع الرسمي الراهن بدلاً من خلق وضع جديد كلياً، ولكن ما ستفعله الوحدة النقدية في نهاية المطاف هو الزام دول مجلس التعاون الخليجي بالعمل معاً ومواجهة التحديات الخاصة بها على أساس مشترك، وهذا في النهاية هو جوهر مشروع دول مجلس التعاون الخليجي الأوسع وجوهر الخطوات العديدة من السياسات التي اتخذت حتى الآن، والحقيقة أن إنشاء اتحاد نقدي كامل على رأس نظام سعر الصرف الحالي الثابت سيكون بمثابة شكل أقوى من أشكال الالتزام المسبق بمستقبل مشترك.

ويعتبر الأمر الأهم لنجاح الاتحاد النقدي الخليجي مستقبلاً، هو أن هناك فرصة للتعلم من أخطاء أوروبا لتطبيقها في مؤسسات وأنظمة وممارسات أكثر قوة كانت تعد ضرورية قبل الأزمة، كما أن القيام بذلك سيفتح الباب على الأقل أمام احتمالات جميع المنافع الاقتصادية الحقيقية التي أدت في الأصل للمشاريع.


 وفوق كل ذلك، فإن العملة الخليجية الموحدة ستخلق أسواق مالية أعمق وأكثر سيولة وتكلفة محتملة أقل لرأس المال، وكانت هذه أحد المزايا الرئيسة لمنطقة اليورو، على الرغم من أن الفوائد قد تم تقويضها إلى حد ما بواسطة التطبيق الضعيف للقواعد، ويمكن أن يكون الائتمان الرخيص فرصة للنمو ولكنه أيضاً مصدراً لمخاطر متعددة إذا تم استخدامه بشكل سيئ، وقد يخلق الاتحاد النقدي الخليجي أيضاً فرصاً لتحقيق فوائض ضخمة من خلال المواءمة التنظيمية وتقليص العقبات أمام دخول السوق وعمليات الاندماج والاستحواذ، وهناك إمكانات هائلة لزيادة التجارة الإقليمية والاستثمار.

 وعلاوة على ذلك، سيمنح الاتحاد النقدي الخليجي اقتصادات تلك الدول دوراً أكبر في النظام الاقتصادي العالمي المتطور بسرعة، بقدر ما كان عليه الحال مع الاتحاد الأوروبي، ويؤكد كثيرون أن المنطقة لديها دور مهم يمكنها أن تقوم به كما في ميزان القوى الاقتصادية العالمية المتجه شرقاً.

بالتأكيد ليس هناك عجلة إلى الوحدة النقدية في هذا الوقت من عدم الاستقرار الاقتصادي، ولكن استمرار الإعداد على المسار الصحيح سوف يمكن المنطقة من الإبقاء على خياراتها السياسية التي تمكنها من العمل بسرعة وبصورة مستدامة بمجرد أن يتأرجح البندول مرة أخرى، وإذا استرشدنا بالتاريخ، يمكننا افتراض حدوث ذلك.



الكاتب :- يارمو كوتيلاين كبير الاقتصاديين - البنك الأهلى التجاري

0 التعليقات :

إرسال تعليق