تابع جديد المدونة عبر:

مراحل الازمة سوق المناخ


 دروس الأمس مع مستجدات اليوم، أمر أساسي نحو بناء الغد كان سوق الأسهم الكويتية خلال الفترة 1961 - 1975م قناة استثمارية رئيسية لعائدات النفط الكويتي. كانت طبيعة التسوية المالية تتم، في معظمها، عن طريق شيكات مؤجلة وقابلة للتداول أدت لاحقا إلى نشأة سوق غير رسمية لعقود البيوع المستقبلية . اتجهت الأسهم إلى تسجيل أرقام قياسية غير مبررة مقارنة بقيمتها الدفترية، ومدعومة بتدفق مستمر للسيولة، ومحدودية كمية الأسهم المتداولة.

كان لا بد لعملية التصحيح أن تأخذ مكانها لتنشيط السوق على المدى الطويل. أدت العملية في عام 1976م إلى هبوط أسعار الأسهم بشكل تدريجي مدعومة بزيادة العرض بشكل كبير مقابل الطلب في سوق عقود البيوع المستقبلية . أنهار السوق في 1976م مخلفا آثارا اقتصادية غير كبيرة بسبب تدخل الحكومة الكويتية.

حيث لم تدعم الحكومة السوق بصرف قرابة نصف مليار لشراء أسهم الشركات المتعثرة فحسب، ولكن أيضا اتخذت عددا من التدابير السريعة لضمان عدم حدوث مثل هذه الأزمة. منها إصدار القرار الوزاري رقم (61) وتاريخ 1976م والذي نص على تنظيم التعامل في الأوراق المالية الخاصة بالشركات المساهمة الكويتية وتشكيل أول لجنة للأوراق المالية.

ورغم مساهمة هذه التدابير في إعادة بناء السوق، إلا أنها لم تخل من السلبيات. حيث أدت إلى حدوث عجز في كمية الأسهم المتداولة نتيجة احتفاظ الحكومة بأسهم الشركات المتعثرة، واستمرار قرارها بمنع تأسيس شركات مساهمة خلال الفترة 1976 إلى 1981م.
ومع استمرار تدفق عائدات النفط الكويتي، ومحدودية مجال الاستثمار، عادت الأسهم إلى تسجيل أرقام قياسية غير مبررة. حيث بلغ معدل مكرر ربح الأسهم، على سبيل المثال، 33 إلى 1 خلال الفترة 1976 إلى 1980م. أدت جميع هذه العوامل في عام 1979م إلى نشأة سوق المناخ، وهو سوق أسهم مواز لتداول أسهم الشركات التي لا تحقق شروط الإدراج في سوق الأسهم الرئيسي.


مع بداية الثمانينيا ت الميلادية، وقيام الحكومة الكويتية بتخفيض سعر الفائدة على الدينار الكويتي، والسماح بإنشاء شركات مساهمة تمهيدا لطرحها بشكل تدريجي في سوق الأسهم، نشأت طفرة اقتصادية جديدة عمت معظم جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

استقطب كل من السوق الرئيسي وسوق المناخ جزءا ليس بالقليل من السيولة النقدية المتدفقة.

لم يكن سوق المناخ يخضع لرقابة السلطات المالية. وبالتالي اختلفت آلية عمله وطبيعة شركاته المتداولة عن تلك المدرجة في السوق الرئيسي. كان هناك قرابة تسعة صناع لسوق المناخ اعتمدوا على الثقة المتبادلة فيما بينهم ليس لتنسيق عمليات المضاربة فحسب، وإنما أيضا لاستقطاب رساميل آلاف من صغار المستثمرين إلى سوق المناخ.

كانت التسوية والمقاصة تتم، في معظمها، عن طريق شيكات مصرفية مؤجلة وقابلة للتداول. وهنا نشطت من جديد وبشكل غير رسمي، سوق عقود البيوع المستقبلية ذات المخاطرة العالية. ساعدت هذه العقود على إعادة تدوير الرساميل في سوق المناخ.

تميزت الشركات المتداولة في سوق المناخ بميزة خاصة. كانت نحو 54 شركة خليجية معظمها شركات وهمية تأسست خلال الفترة من 1979 إلى 1980م لغرض يتيم هو الاستثمار في أسهم بعضها. حتى أن عددا كبيرا منها لم تكن لها منتجات أو عملاء حقيقيون.
شجعت جميع هذه العوامل عددا كبيرا من صغار المستثمرين إلى تحويل رساميلهم من السوق الرئيسي إلى سوق المناخ، رغبة في الربح السريع، ومدعومة بالشعور بأن الحكومة الكويتية سوف تدعمهم، كما دعمت أقرانهم عندما انهار السوق الرئيسي في عام 1976م.


أدى التدفق السريع للرساميل إلى تضخم القيمة السوقية إلى أكثر من ستة أضعاف قيمتها الدفترية. ففي عام 1981م على سبيل المثال، ارتفعت أسعار الأسهم إلى ما معدله 63 في المائة، واحتلت القيمة السوقية الإجمالية لكلا السوقين المركز الثالث بين أسواق المال العالمية بعد سوقي نيويورك وطوكيو.

لم يكن الوضع الائتماني للمصارف الكويتية بمعزل عن هذا التضخم. حيث ارتفعت نسبة الائتمان المصرفي إلى 17 في المائة خلال الربع الأول من عام 1982م، مدعومة بمشاركة المصارف للمستثمرين في تنشيط سوق عقود البيوع المستقبلية غير الرسمي لتمويل صفقات جديدة.

بدأت المأساة في الربع الثاني من عام 1982م وبالتحديد في منتصف شهر أيار (مايو) عندما تزامن موعد استحقاق الدفعة الأولى من عقود البيوع المستقبلية مع حركة تصحيح كبيرة أدت إلى عجز في قيمة العقود المستحقة. عندها بدأت أسعار الأسهم بالنزول التدريجي واستمرت حتى منتصف شهر آب (أغسطس) من العام نفسه عندما نزل المؤشر بنسبة 30 في المائة، وانخفضت حركة التداول بنسبة 60 في المائة.

أصيب سوق عقود البيوع المستقبلية غير الرسمي بحالة من الكساد التام بتراكم نحو 29 ألف شيك مؤجل غير قابل للدفع، وبقيمة إجمالية تقدر بنحو 94 مليار دولار أمريكي، ومسحوبة لأمر نحو ستة آلاف مستثمر. كانت هذه المستويات كفيلة بانهيار السوق وذهابه إلى غير رجعة، محدثا أزمة سيولة نقدية في المصارف التجارية، وهزة في الاقتصاد الكويتي.

بدأت الحكومة بتنفيذ خطة طوارئ لمعالجة الوضع. حيث أوقفت التداول في سوق المناخ، وأوجبت تسجيل جميع الشيكات المؤجلة، وأسست بيتا للمقاصة. كما أعادت تنظيم السوق كهيئة مستقلة ليشمل سوقا رئيسيا، وثانويا، وعقود البيوع المستقبلية ، إلى آخره من الإصلاحات المالية والاقتصادية.

أحد أهم دروس سوق المناخ، أهمية تطوير إدارة فعّالة للمخاطر، وتجهيز آلياتها لتفعيلها متى ما دعت الحاجة. فقد تخفي الابتسامة الحسناء ما وراءها من أنياب حادة. ودروس الأمس مع مستجدات اليوم، أمر أساسي نحو بناء الغد. قال الشاعر:

رب يوم بكيت منه فلمــــــــا
صرت في غيره بكيت عليـــــــه
ومَا النَّاسُ بِالنَّاسِ عَهِدْتَهُــم
ولاَ الدَّارُ بِالدَّارِ الّتِي كُنْتَ تَعْلَـــــم
وهذه الدار لا تبقي على أحد
ولا يدوم على حال لها شــــــــا ن
الدهر يومان ذا أمن وذا خطر
والعيش عيشان ذا صفو وذا كدر


كانت أزمة المناخ، في التقييم النهائي، مناسبة استخدمت فيها السياسة الإنفاقية كوسيلة لتوزيع الثروة النفطية...

فكيف كان التدخل؟
في أعقاب الارتفاع الكبير في أسعار النفط الخام (وخاصة بعد الصدمة النفطية الثانية عام 1979) وازدهار النشاط الاقتصادي، زادت القدرة التمويلية لدى كثير من المستثمرين الكويتيين.

ومع ضيق الطاقة الاستيعابي ة للاقتصاد الكويتي لاستثمار تلك الأموال، والقيود التي فرضت على تأسيس الشركات، لجأ المستثمرون إلى الدول الخليجية المجاورة، لتأسيس شركات خليجية (42 شركة بقاعدة إصدار 108 مليون دينار)... وجرى تداول أسهم تلك الشركات في سوق غير رسمية (موازية) في مبنى تملكه إحدى شركات الاستثمار، سمي باسم السوق المعروف في نفس المكان "سوق المناخ" حيث كانت توجد فيه مجموعة من المكاتب والوسطاء الذين قاموا بالترويج لأسهم تلك الشركات وتسهيل عقد صفقاتها.

كما دخلت سوق المناخ الشركات المساهمة الكويتية المقفلة (غير المدرجة في البورصة)، التي ساعدت على تكاثرها البنوك التجارية وشركات الاستثمار (من خلال الإقراض الشخصي)، حيث تأسست 99 شركة منها بين يناير 1981 وأكتوبر 1982.

وفي نوفمبر 1981، اعترفت الحكومة ـ من خلال وزير التجارة والصناعة ـ بسوق المناخ، وتم إنشاء مكتب لوزارة التجارة والصناعة لمراقبة التعامل في السوق، بدأ عمله في 9 مارس 1982.

وتسابق الجميع إلى سوق المناخ، وبلغ حجم التداول في الفترة من يونيو إلى أغسطس 1982 حوالي ملياري سهم، وذلك نتيجة لتحقيق مستثمرين لأرباح كبيرة بالمضاربة على الأسهم. وشجع ذلك كثيرا من الأفراد على الدخول إلى السوق كمضاربين أو وسطاء للاستفادة من تلك الأرباح، فزادت المضاربة وكثر عدد المضاربين مما أدى إلى ارتفاع أسعار الأسهم بشكل كبير.

ومع التوسع في نظام البيع الآجل والاقتراض من البنوك لتمويل ذلك البيع، بدأت تعقد صفقات ويسدد ثمنها بشيكات ليس لها رصيد في البنوك. وعندما امتنعت البنوك عن سداد تلك الشيكات، تراجعت أسعار الأسهم، وتدنى حجم التداول إلى 72 مليون سهم في سبتمبر 1982، وتوقف الكثيرون عن دفع قيمة شيكاتهم المترتبة على المعاملات وعقود البيع الآجل، وعجز المتعاملون عن دفع الالتزامات المالية التي تعهدوا بها نتيجة تشابك الحقوق والالتزاما ت.

وكانت النتيجة حدوث ما سمي "أزمة المناخ"، التي تمثلت في شيكات آجلة لحوالي 5500 شخص وشركة بعدد 29 ألف شيك، وبقيمة 27 مليار دينار (حوالي 88 مليار دولار).

وقد تدخلت الحكومة باستخدام السياسة الإنفاقية على خطوتين، كانت الخطوة الأولى عام 1982 عبر "مؤسسة تسوية معاملات الأسهم التي تمت بالأجل" بشراء تعويضي للأسهم من بعض المتضررين، بما قيمته 2000 مليون دينار موزعة ما بين تعويض الصغار وشراء أسهم للمحافظة على سعر أدنى لها وقروض للمتضررين.

ثم كانت الخطوة الثانية عام 1986 عبر "برنام ج تسوية التسهيلات الانتمائية الصعبة" لتسوية الديون المترتبة للجهاز المصرفي على العملاء.

وفي نهاية 1989، رؤى تسوية مديونيات العملاء الصغار (لغاية 250 ألف دينار) والذين يشكل حجم مديونياتهم نسبة 205 بالمائة فقط من إجمالي مديونيات العملاء الخاضعين للبرنامج.



الكاتب :- محمد بن ناصر الجديد - كلية الاقتصاد والإدارة، جامعة أدنبرة

0 التعليقات :

إرسال تعليق